السيد عباس علي الموسوي
76
شرح نهج البلاغة
يعمل العمل وهو خائف مشفق ثم يعمل شيئا من البر فيدخله شبه العجب به فقال : هو في حاله الأولى وهو خائف أحسن حالا منه في حال عجبه . وفي الحديث عن أبي عبد اللّه ( ع ) قال : أتى عالم عابدا فقال له : كيف صلاتك . فقال : مثلي يسأل عن صلاته وأنا أعبد اللّه منذ كذا وكذا ، قال : فكيف بكاؤك قال : أبكي حتى تجري دموعي ، فقال له العالم : فإن ضحكك وأنت خائف أفضل من بكائك وأنت مدلّ ، إن المدل لا يصعد من عمله شيء . ( وإياك والمن على رعيتك بإحسانك أو التزيد فيما كان من فعلك ، أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك ، فإن المن يبطل الإحسان ، والتزيد يذهب بنور الحق ، والخلف يوجب المقت عند اللّه والناس . قال اللّه تعالى : كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ) المنّ يفسد العمل لما فيه من إيذاء على الممنون عليه ، وقد حرمه اللّه ومنع منه وجعل الصدقة فاسدة لا تعطي خيرها وثوابها إذا اقترنت بذلك قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى ولأجل هذا قال الإمام في مقام التنديد بالمنّ على الرعية بقوله : « فإن المنّ يبطل الإحسان » . وأما التزيد فهو قبيح لأنه يتضمن الكذب والكذب حرام ، فإن العامل جزءا واحدا ومدع للعمل عشرة أجزاء مريدا الافتخار بهذه النسبة مثل هذا الإنسان سينكشف كذبه ويتضح حاله وتنزل منزلته عما هي عليه وبذلك قد يقضي حتى على الجزء الذي عمله وتنطمس معالمه من جراء كذبه ذاك ولذا قال الإمام في مقام عدم جواز التزيد : « بأنه يذهب بنور الحق » . وأما خلف الوعد فإنه أوضح الثلاثة في القبح عند الناس حيث تنتزع الثقة ممن وعد ولم يف ولا يؤخذ بقوله بعد خلفه لوعده وكفى بذلك ذلا وإهانة وأما عند اللّه فلقوله تعالى : كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ . ( وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها ، أو التسقط فيها ، عند إمكانها ، أو اللجاجة فيها إذا تنكرت ، أو الوهن عنها إذا استوضحت . فضع كل أمر موضعه ، وأوقع كل أمر موقعه ) هذا هو قانون الوسطية الذي يرسمه الإسلام لأتباعه عامة ولولاة الأمر بشكل خاص فلا إفراط ولا تفريط في الأمور بل الجادة الوسطى هي المطلب الذي يجب السير عليه والإمام هنا يرسم للوالي كيفية الاختيار فيحذره من العجلة في الأمور قبل الأوان المقابل للتهاون فيها عند إمكانها كما يحذره من اللجاجة في المطالب إذا لم تنضج وجوهها